منتدى واحة السودان

السلام عليكم ورحمة الله .. تفيد هذه الرسالة بانك غير مسجل لدينا ..نتشرف جدا بانضمامك الى الموقع بالضغط على زر التسجيل او التعريف بنفسك ان كنت من اعضاء المنتدى بالضغط على زر دخول .. او الضغط على زر اخفاء ان كنت تود تصفح الموقع فقط ... مرحبا بك معنا .

شاطر
اذهب الى الأسفل
avatar
خلاسية
طاقم الادارة
طاقم الادارة
عدد المساهمات : 419
الجنس : انثى
نقاط : 629
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 09/09/2009
العمر : 44
الموقع : كل بيوت الفقراء بيوتي

اسئلة كمال بوب

في الخميس 10 سبتمبر 2009, 5:19 am
أسئلة كمال بوب

آخر محطة خلف رواكيب (ستات الشاي) وشمس السابعة صباحا تلهب الجباه بسخونة كاللسعة مخلفة عرقا خفيفا ومزعجا، ويصبح مؤلما عندما ينزلق نحو الرموش، وبدا بوب في التفكير حول حافلة تقله من هذا العذاب: (متين يا ربي ينتهي العذاب ده؟!) مرَّ كارو يحمل خمس نساء تتدلى اقدامهن كالدجاج المشوي من تأثير الدخان الأسود في حافة الأرجل، وتبدو السفنجات المغسولة جيدا كالمرايات وضحكت إحداهن واتكأت على الأخرى بغنج بلدي لطيف، بخلاف غنج القنوات الفضائية المفتعل. فكر وهو ينظر بابتسامة مؤدبة: (أين تذهب هؤلاء؟!) ولماذا الضحكة تتسع رغم الفقر؟، فكر في الصوت المنبعث من آلة التسجيل المربوطة خلف الكارو التي ينبعث منها صوت أورغن وفنانة، هو يزدري هذا الغناء كمثقف، ولكنه يثير الحيوية في الركاب والمارة، لقد سمع العديد من الفنانات في آخر محطة، وبعض أصحاب عربات الكارو يشاركونه الرأي ويفضلون الملك (محمود عبدالعزيز): ( دا ملكا وملاكا يا..)، إنها رغبة في الحياة والخروج من الغبار والفقر، إنها قدرة على صنع الحياة داخل الرواكيب والغرف الطينية الضيقة، وأخيراً توقفت حافلة قديمة وازدحم عدد قليل على بابها، ودخل بعد الزحمة ليحافظ على أناقته والتي كانت مصدر سخرية العواطلية حول ستات الشاي: (يا أستاذ)، (يا دكتور).
ركب بوب غير مهتم بحسدهم الساخر، ركب في المقعد المحبب له بجانب السائق ونظر في الوجوه العابسة حوله، وكانت لديه دائما اسئلة لا تجد إجابة، ولذلك كان من أعظم المعجبين بأغنية (أسئلة ليست للإجابة)، وتمنى لقاء شاعرها ليريه التشابه العظيم بينهما، وسأل عنه في كل مكان، وأخيرا أخبره صحفي بأنه هاجر إلى كندا وتأكد بوب أن سبب هجرته عدم الإجابات المقنعة.
اختنقت الحافلة، والحافلة تتحرك وقف أحدهم يمازح السائق بألفاظ لا يمكن أن ترد في قصة كمال بوب المهذب، وكان هذا سؤاله الأول: (ليه الحافلة متحركة لازم واحد يفتح موضوع وموضوع فارغ على حساب زمنا؟!). لقب بوب خلفه قصة رومانسية محزنة، قصة حب مع (سعدية) ست الدكوة، عندما كان شابا وأسدل شعره (راستا) من أجلها لأنها تحب (بوب مارلي) ولا تفهم أغانيه، وشرح لها كمال بوب الأغاني وكتب لها خطابات وشعراً، كان يقرأ لها خلف الرواكيب والأزقة المظلمة. كانت سعدية تبادله الحب بطريقتها التي لم يفهمها أحد، كانت تحبه وتنام مع نصف سكان الحلة، وحده كمال بوب كان يجهل طريقتها تلك ومستغرقا في تقديسها، يبدأ البكاء بحرقة إن غابت أو تأخرت عن موعد، وتغضب هي، ويزداد هو حنية.

(أنا بحسمو الليلة)، خلف راكوبة الشاي كان اللقاء الحاسم وكل (شماشرة) الحلة يسترقون السمع من خلف شوالات الراكوبة، اتكأت سعدية على خصرها وأبعدت اللبانة بلسانها وأمالت الشبشب من قدمها قليلا: (تاني ما تلاقيني وما دايرة أشوف وشك.. بالمناسبة إنت واحد دقسة).
رجع كمال بوب من قصته المحزنة بصوت مسموع: (أنا ما دقسة أنا مخلص). انحنى عليه الكمساري بخشونة مع فرقعة أصابع عالية، أخرج كمال بوب المحفظة الأنيقة الخالية وأخرج قطعة معدنية من قاعها: (ليه الكماسرة ديل ما بستحمو؟.. الربط شغلة الكمسرة بالوسخ ده منو؟!).
فتح حقيبته الجلدية وأخرج مقاله باهتمام وعنوانه (الحب الضائع) الذي يحاول منذ سنة نشره في صحيفة معروفة، ويحمل صوره مصاحبة بالقميص والكرافتة استعدادا لنشرها مع المقال، ومنذ ذلك اليوم أصبحت الونسة عنده: قابلت فلان في جريدة (الصحافة) وقال لي.. وقلت لفلان في جريدة (الخرطوم)..إلخ.
وقفت الحافلة عند تقاطع الجريف وهبط السائق مذعورا ليقابل شرطي المرور: (ليه بتاعين الحركة بذلوا الناس كده ويشتموهم مرات؟.. المسألة قانون ولا حقارة؟!).
تحركت الحافلة والسائق يشتم الإيصالات والحكومة وبدأ الحوار المحبب للجميع حول الحكومة والحالة الصعبة وقطع استرسالهم صوت حاد لفتاة جامعة جميلة وهي تصرخ في الرجل الجالس بجانبها: (قلة أدب)، تدخلت كل الحافلة الثائرة في الموضوع وأصبحت مشاجرة، أخجلت الفتاة التي ندمت على صراخها وتسآءل كمال بوب: (ليه نحن بنخاف من الفضيحة وندس الحقيقة؟!).
تواصلت المشاجرة ووصلت الأسئلة حدود شخصية جدا: (هي ذاتا ماشة وين؟!)، (دي نتائج الكبت الأنحنا فيهو)، وصلت الحافلة ميدان أبوجنزير وهبطت الفتاة خجلة ومسرعة، وهبط كمال بوب آخرهم ليحافظ على أناقته وقفز سؤال الكبير إلى ذهنه: (أين يذهب؟!).
كان يدعي لشباب الحلة أنه ذاهب إلى مشوار مهم، ولكن أين يذهب الآن؟! رأى السؤال ضخما في ميدان أبوجنزير في عيون المارة، يجعلهم يمشون بذهول وارتفعت أصواتهم في ذهن كمال بوب، ولأول مرة لم تعد أسئلته وسوسة صامتة، بدأ السؤال يخرج من فمه همسا، ثم بدأ يعلو: (هيي..ماشين وين؟!)
هكذا صارت أسئلة كمال بوب لا تحتمل ولا تجد الإجابة.
ــــــــــــــــــــ
نشر بـ (السوداني الثقافي)، عدد الإثنين 26 فبراير 2007م
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى