منتدى واحة السودان

السلام عليكم ورحمة الله .. تفيد هذه الرسالة بانك غير مسجل لدينا ..نتشرف جدا بانضمامك الى الموقع بالضغط على زر التسجيل او التعريف بنفسك ان كنت من اعضاء المنتدى بالضغط على زر دخول .. او الضغط على زر اخفاء ان كنت تود تصفح الموقع فقط ... مرحبا بك معنا .

شاطر
اذهب الى الأسفل
avatar
خلاسية
طاقم الادارة
طاقم الادارة
عدد المساهمات : 419
الجنس : انثى
نقاط : 629
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 09/09/2009
العمر : 44
الموقع : كل بيوت الفقراء بيوتي

انت منو ؟

في الخميس 10 سبتمبر 2009, 5:21 am
إنت منو؟!
عندما انتصف الليل ونام في أحضان الحلة البائسة كانت الزجاجة في الكأس الأخير والحكايات انتهت وجفت في حلوقهم الأغنيات، صمت ثقيل لفَّ الجلسة التي كانت صاخبة، رفع عمر قدميه ونهض بتثاقل خجل، فهو يحذر تلك النظرات التي تتهمه بصمت خبيث (عمر بتاع ملح) (عمر ما بدفع)، دفع الباب القديم المتهالك على جدار قديم وقبلته نسمة هواء جففت العرق السائل، استل رقبته ومشى في الظلام، تخرج عمر منذ ثلاثة أعوام وما زال يعاني من صمت الخريج، صمت العطالة القاتلة ولديه طاقة كبيرة في قراءة كتب علمية معقدة فصارت بطاقته الشخصية مثقف وعاطل ومفلس بالطبع.
قفزت فجأة إلى رأسه قبل أن يصل الشارع المؤدي إلى بيتهم، هي دائماً هكذا تقفز فجأة، بوجه أنهكته الكريمات والبودرة: (والله يا عمر تتأخر دقيقة واحدة أفوتك).
العاشرة صباحاً ستهبط هي من مواصلات الصحافة زلط، ويجب أن ينتظرها وهي تهبط لترى لهفته وقلقه، وضعت هي سيناريو اللقاء والمواعيد، وهو يجب أن يقف وسط آلاف الباعة والمسجلات المنطلقة كالسهام من الكافتريات: (طيب أنا ما أمشي حدائق أبريل طوالي) و......: (لا) قاطعته بغنج متعصب ملتفتة للإتجاه الآخر.. لتنتقم منه وتثبت أنها مرغوبة وجميلة ويمكن أن تجعل شاباً يصغرها بسبعة أعوام ينتظرها في هذا الضجيج (إنه جنون الفتيات بعد الثلاثين)، خرج صوته الحقيقي أمام باب منزلهم، دفعه بحذر وتسلل إلى السرير وأغمى عليه حتى الصباح.
تردد كثيراً وهو يحاول شراء ساندوتش طعمية، كل ما يملك هو دينار ملتصق مع قصيدة لم تكتمل في جزلانه، جف حلقه وتصاعد نداء الباعة المتجولين وأصوات الفنانات تتصاعد من سماعات الكافتريات المتناثرة حول موقف الصحافة، حلقه بدأ بالإحتراق يحتاج الآن إلى ماء بارد أو قطعة ثلج يبتلعها، هذي البلاد غريبة؟! تذكر تلك الطرفة التي استمرت لسنوات في الجامعة بروايات مختلفة، عندما تقدم أبو سمرة البوهيمي ولأول مرة من ركن النقاش المحتدم ووقف في نصف الدائرة بصمت وتأمل الجميع كمسطول وتهيأ الجميع لحدث إستثنائي يبعثر الجو الحزين المحفوظ والقضايا المكررة، قال بصوت المساطيل الهادئ الحزين: (يا أخوانا إنتو بتكوركو ساكت، البلد دي ما بتتقدم خطوة، دي بلد حارة وعرشا زنكي وفاتحا شهيتا شطَّا وشرابا عرقي وشمسها حارة وناسا بفكروا أسخن من بلدهم.. تتطور كيف؟!).
تلك الأيام جميلة وهادئة، إبتسم في وجه السوق العربي وتذكر الحماس من أجل قضايا الفقراء. وقف دفار قبالته وهو سارح لم يلمح الدفار مما أكد لرجال الشرطة التجاهل الذي يبديه، تحرك إثنان منهم وهوى أحدهم بالخرطوش على ظهره، أعادت آثار الخرطوش الأسود ذكريات قديمة أيام الجامعة وفجأة إرتفع جسده في الهواء وارتطم بأرضية الدفار الصلبة: (يا أخوانا ده...) (أسكت لوعندك كلام قولوا قدام).
هذه بلاد غريبة لافتات كبيرة تملأ الشوارع عن التحول الديمقراطي و...، تحرك الدفار غير عابئ بالدستور والحريات لأنها مسائل تخص الصحف والدفار في طريقه إلى خارج السوق لمحها في حافلة تدخل الموقف وهي تثرثر مع فتاة بجانبها، أخفى وجهه حتى لا تراه ولكنه رأى وجوهاً كثيرة شاحبة وفقيرة حوله في الدفار.
هبطت بنصف إستدارة ثم إلتفتت لجارتها التي هبطت للتو من الحافلة وهذه الطريقة الإستعراضية لأنها متأكدة بأنه ينتظر هناك، ودعت الفتاة بالأحضان والقبل وسط دهشة المارة والكمسنجية، واستدارت بمرح مفتعل تعلمته في كافتريا الجامعة ولم يكتمل هذا المرح: (...أين ذهب؟!) (ذهب لشراء سجائر)، فكرت ثم استدركت: (وهو عندو قروش، عليك الله عاين المقطَّع ده كمان)، مضت ربع ساعة وهي قلقة وبدأت حبات العرق تتسلل من ظهرها حتى قدميها بطريقة مزعجة، ومن وسط القلق لمعت فكرة الإنتقام، دخلت محل إتصالات، طلبت الرقم بخلفية إيقاعية خلقتها الفتاة الجالسة في الإتصالات بطقطقة اللبانة، وجاء الصوت من الجانب الآخر: (أركبي أمجاد وأنا أحاسبو)، كان دائماً على إستعداد، لديه شقة مريحة ولا مبالاة تساوي نصف العالم.
تحركوا في صف طويل صامت في ممر نصفه ظل والنصف الأكبر شمس وصوتها يدوي في أذنه: (حا نعرِّس متين؟!)، السؤال الذي تكشف به عجزه وفقره وأحياناً ترفض إعطاءه (حق المواصلات) إذا أبدى عناداً أو تمرداً: (إتحرك) تحرك بخوف ليلحق بالصف ومسرعاً لمحها تجلس بزي نقيب في نافذة تطل على الممر وهي تهم بسؤاله عن الزواج، نظر إليها بغضب.
(بتعاين كدة مالك؟!) إنتبه للكارثة التي أحدثها، أخفض رأسه بخنوع وذهب دون أن يرد على السؤال وكان هروبه إجابة كافية للفتاة الملازم، جاء دوره للدخول للضابط، رمقه الضابط بنظرة فاحصة ومدربة: (اسمك؟!)، أجاب ببطء وتردد ثم وبصوت خرج من طرف أنفه وبطريقة جافة لا تراعي حقوق الإنسان ولا الأمم المتحدة ولا مشاعر الفريق القومي لكرة القدم: (البطاقة)، (ما عندي)، (طيب أنا أعرفك سوداني كيف هسع؟!).
من هو؟! لأول مرة يفاجئه السؤال بوضوح، من أنا، نظر للضابط داخل عينيه بثقة وابتسامة ساخرة واخترق الزي الرسمي لدواخله المرتبكة وأجاب بصوت واضح وهادئ: (خلاص رحلوني.. رجعوني بلدي).
ــــــــ
نشر بـ (السوداني الثقافي) الإثنين 5 مارس2007م.
</FONT>[/right]
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى