منتدى واحة السودان

السلام عليكم ورحمة الله .. تفيد هذه الرسالة بانك غير مسجل لدينا ..نتشرف جدا بانضمامك الى الموقع بالضغط على زر التسجيل او التعريف بنفسك ان كنت من اعضاء المنتدى بالضغط على زر دخول .. او الضغط على زر اخفاء ان كنت تود تصفح الموقع فقط ... مرحبا بك معنا .

شاطر
اذهب الى الأسفل
avatar
اليم
عضو نشيط
عضو نشيط
عدد المساهمات : 58
الجنس : انثى
نقاط : 110
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 06/10/2009
العمر : 38
المزاج : تضاريسى

عم جون (منقول)

في الخميس 08 أبريل 2010, 5:45 pm
ثلاثون عاماً شهدته تلك المدينةً ، بل حفظته عن ظهر قلب ، كل شوارع منطقة السكة حديد . حفظت عم جون بوجهه البشوش داكن السمرة وابتسامته التي تضيئها سنتيه التي أزيلت في صغره كما جرى العرف بقبيلته ، تتبين صفاء قلبه وأنت تراه يسير صباحاً يداعب الصغار ويشاكس الكبار . يتردد على بيوت الحي ليقوم بتنسيق الحدائق ويجمع المتبقي من الحشائش يجلبها عائداً إلى حي "القشلاق" ليبيعها لصاحبات الأغنام مقابل سعر زهيد أو ثمناً لبعض الخبز الجاف الذي يطعم به أغنامه ويأخذ ما تبقى من تلك الحشائش لشاته الوحيدة والتي يحنو عليها مثل طفل صغير.

يعود بعد تلك الجولة اليومية المرهقة ليهيئ زقاق الغرفة الصغيرة الملحقة بمخازن حاج عبد الله بالمنطقة الصناعية الواقعة خلف حي القشلاق ويبدأ في صنع وجبة دافئة . يعجب الجميع لماذا يقوم عم جون بهذه المهمة الشاقة وهو لا يحتاج للمال بعد راتبه الذي يتقاضاه في مقابل عمله مع حاج عبد الله . لكن جون كان أكثر ما يمتعه ذلك الجهد المرتبط بالزراعة وتربية الماشية مبدداً ذلك السأم الذي يعتريه وهو يجلس بالمخزن لا يفعل شيئاً .

لم تكن صدفة أن يصر عليه حاج عبد الله ليقيم في تلك الغرفة بفناء مخازنه، ليس حارساً عليها بل مؤتمناً على حرّاسها . فإن للرجلين تأريخ قديم وحياة سابقة بجوبا ،فقد كان عبد الله تاجراً ثرياً يدير تجارة ناجحة بين الخرطوم وجوبا حتى توقفت تجارته بفعل الحرب . كان جون ينتمي إلى قبائل الدينكا بور حيث كان يقيم عم عبد الله معه في ذات القطيّة يتسامر معه ويقتسم معه (الكاقلو) ويأكل (الكجيك)و(الكرنجك)، فيضحك جون ساخراً منه ويصفه بأنه لم يعد مندكرو. فيرد عليه عبد الله بأنه صار جنوبياً أكثر من الدينكا أنفسهم . ارتبط الرجلان بعضهما البعض فصار جون يخرج معه للصيد ويدله على فنونه ويقوده لأكثر المناطق التي يتجمع فيها، يحاجج عنه من يحاول استغلال أنه تاجر من الشمال فيغالي له في أسعار العاج وجلود الأصلة ، يقضي معه أجمل وأسعد الأوقات ، وحين يقفل راجعاً للخرطوم ،كان يأتمنه على زوجته الثانية وعلى طفله الصغير .

كان جون الشخص الوحيد الذي يعلم هذا السر، أن لعبد الله زوجة وطفلاً بجوبا. بل كان يصونه حفاظاً على استقرار شقيقته فهو الأخ الأكبر لتلك الزوجة .

ظل هذا السر مكتوماً حتى الآن لا يعرفه سوى عبد الله والعم جون رغم مرور السنوات وتغير الأحداث بعد تلك الحرب التي لا تفتأ تخمد بمكان إلا وتشتعل بمكان آخر .

كان كلاهما أكثر حرصاً على كتمان أمر تلك الزوجة التي لم يعودا بعد الحرب يعرفان عنها أو عن الأبناء شيئاً.

حيث ارتضى العم جون واقعه وصار مواطناً بهذه المدينة التي رسمت في وجدانه تلك المشاعر من الانصهار مع أهلها الذين أحبوه وأحبهم.

كان يحلو للصبية الجلوس أمامه ليحكي لهم عن بطولاته في صيد التمساح وقتل الأصلة ويعلمهم فنون القتال فيتسابق من عليه الدور ليحظى بكلمات عم جون العربية المشربة بالأعجمية والتي كانت تشعل فيهم الحماس حين يغريهم على القتال مقنعاً من عليه الدور أنه أصبح رجلاً ،ولابد أن يثبت أنه بطل بين ابناء الحي

صار جون الآن حارس المخزن وحافظ سر عبد الله ، يسري وحدة ليله الطويل المنسوج بالصبر بتذكر تلك الأيام حينما كان يدير أحد المحال التجارية بمدينة ملكال قبل قيام الحرب بقرية "أكوا "حيث ذهبا بكل ما لدى عبد الله من مال لشراء أكبر قدر من البضاعة فقطعت الحرب عليهما الطريق وقام المتمردون بنهب كل الأموال .

ما كان أمامهما إلا مغادرة تلك المنطقة الخطرة قاطعين الأحراش والمستنقعات سيراً على الأقدام حيث خدمهم وجود جون ومعرفته ببعض من قادوهم أو أعانوهم في معرفة الطريق .

كانت فكرة تذكر المال الذي نهب مؤرقة لكن الذي كان يسري عنها هو واقع النجاة من موت محقق لم يفلح الكثيرون من الشماليين أو أهل الجنوب في النجاة منه . ورغم مرور العشرات من السنوات لكن مرارة الأحداث كانت أقسى من أن ينسى عم جون أنه لم يتمكن من المرور على قريتهم المحترقة والتي لم يعلم أحدهم بعد هل نجا أهه أم أنهم هلكوا مع من هلك .

ومنذ حضور الرجلين إلى الخرطوم وحتى هذا الحين لم يسمع الرجلان أي خبر عن اسرتيهما . و كيف السبيل إلى ذلك بعد أن استحالت كل القرى إلى لهب يطاول عنان السماء ، لا يخمد يوماً، إلا ويعود ليشتعل أياماً.

كان يحلو لعم جون أن يحكي ذكرياته عن ملكال لكنه كان كلما تذكر طفله الرضيع يسكت عن الحديث والغصة تعترض حلقه .كان يتعلق بكل طفل في الثانية من عمره ويلاعبه متذكراً " رياك" طفله ذي العامين الذي لم يره منذ ثلاثين عام هو وأخوته الثلاث .

ظل عم جون رغم تقدم السن به، ذلك الشخص النشط خفيف الظل الذي يعتمد عليه أغلب أهل الحي في أداء كثير من المهام . لم يكن ينتظر من أحد أن يطلب منه إعانة في أي من مهام الأفراح ولا الأتراح . ففي الفرح كان الأول في نصب الخيمة مع الشباب . وكان الأسرع في توزيع المشروبات قبل أي شخص . وحتى في الأتراح كان الأسبق في حمل الأدوات والتوجه للمقابر . وكان الأكثر همة في حمل الجثمان ، يحدوه ذلك الشعور، أن جميع أهل الحي هم خلفاً لأهله وأن كل ركن بالمدينة هي داره التي لا يعلم عنها شيئاً. حتى أهل الحي لم يكن أحد يطيق غياب عم جون عنه في أي مناسبة ولو حدث مرة وتأخر لذهب إليه صاحب المناسبة أو أرسل أحداً في طلبه .

بدأ يدب الفرح في الرجلين بعد أن خمدت الحرب وبدأت تلوح تباشير العودة الطوعية . فكل منهما فرح لأنه سيلتقي أسرته ذاك إن ظل أفرادها على قيد الحياة، تلك الفكرة الموجعة التي كلما طافت بخاطر عم جون شغل نفسه بالعمل والحركة الدءوب .

بدأ عبد الله يجمع شتات بعض ماله المتفرق في السوق ولدى بعض التجار على أمل أن يذهب هو وجون إلى جوبا باحثين مرة أخرى عن التجارة ، وفي قلب كل منهما عزم خفي في البحث عن من يحب . ورغم شعور عم جون بأنه يعاني من المرض الذي بدأ يرسم خطوطه على جسده النحيل في الآونة الأخيرة، لكنه أصر على أداء المهمة .كان اليوم حافلاً بالحركة فقد كلف قرر جون الذهاب لتسلم عدة شيكات من سوق أم درمان للحاق بعبد الله في سوق السجانة، وبعد جولة شاقة توجه جون لتهيئة بعض المتطلبات الخاصة بالسفر. كان جون يتحرك في سعادة ونشوة لم تترك له الفرصة أن يشعر بحرارة شمس مارس القارصة فوق رأسه.

لم يشعر جون إلا وهو ممدد على سرير المستشفى. حاولت الممرضة تبين الكلمات الضعيفة التي كان يحاول أن يتفوه بها فلم تفلح ، حملت أوراقه لطبيب الامتياز الذي كان يقاوم التعب بعد انتهاء ورديته . وترجته الممرضة معلنة أن المريض ربما يكون في حالة احتضار.

ظل الطبيب يقلب الأوراق التي كتب عليها اسم المريض أثناء محادثته الهاتفية مع عبد الله وفق طلب المريض ليبلغه أن "جون أويك بيتر" يطلب حضوره ، ردد الطبيب اسم المريض الذي بدا له مألوفاً. فزع الطبيب وهرول إلى غرفة الحوادث.

لم تشهد المستشفى يوماً مثل ذلك الحشد من الزوار من حي الفشلاق وما جاوره من أحياء ،اكتظ فناء المستشفى بقدر لم يتصوره أحد من الناس كان الجميع يعجب كيف أن عم جون كان يعرف كل هذه الوجوه التي لم يكن لها صلة بحي السكة حديد أو حي القشلاق.

جلس عم جون قرب عبد الله واضعاً يده اليمنى على كتفه ويده اليسرى على كتف الطبيب "رياك جون أويك بيتر" الذي لم تكن الفرحة تسعه لعثوره على أبيه بعد أن فقد كل أسرته بمنطقة الحرب . أما جون فقد كان مثل طفل صغير يسرف في الضحك والحديث ويدقق النظر بوجه ابنه الطبيب وكأنه يريد أن يتأكد أن ذلك لم يكن حلماً بل حقيقة . يربت في حنان بالغ على ظهر عبد الله الذي كان يجلس تختلط بعينيه أدمع الفرح والحزن. لكنه رغم حزنه العميق كان يشعر ببعض السلوى بأن الله قد وهبه أخاً ظل على الوفاء والإخلاص ، كما عوضه ابنا بدلاً عن ابنه الذي أكلته نيران الحرب .
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى