منتدى واحة السودان

السلام عليكم ورحمة الله .. تفيد هذه الرسالة بانك غير مسجل لدينا ..نتشرف جدا بانضمامك الى الموقع بالضغط على زر التسجيل او التعريف بنفسك ان كنت من اعضاء المنتدى بالضغط على زر دخول .. او الضغط على زر اخفاء ان كنت تود تصفح الموقع فقط ... مرحبا بك معنا .

شاطر
اذهب الى الأسفل
avatar
خلاسية
طاقم الادارة
طاقم الادارة
عدد المساهمات : 419
الجنس : انثى
نقاط : 629
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 09/09/2009
العمر : 44
الموقع : كل بيوت الفقراء بيوتي

قلبو السياسي

في الخميس 10 سبتمبر 2009, 5:22 am
مجدي النور
كواليس
(قلبو) السياسي
السراب يتصاعد من آخر الطريق والأبواب مغلقة وصيف البلاد الحار والوحيد يتجول في الطرقات، عاد (قلبو) من بيوت الشراب وهو يدندن ويتمايل خارج الإيقاع وكالعادة إتكأ على (نيمة) عمي رجب ورفع رأسه مرتين ليواجه الباب( يا رجب الشجرة دي أسقوها، نشفتو ريقا البلد دي فيها نيلين)، رفع عمي رجب رأسه وهو يقرأ جريدة الصباح في البرندة وابتسم كعادته دائماً عندما يسمع هذا النداءالود ده مبروك بس لو ما السكر ده!) قالها رجب في سره وعاد للقراءة عاد لعزلة المعاش الطويلة والمملة.
تحرك( قلبو) بخطوات آلية ويقظة السكران المستحيلة حين يدعي الوعي ووقف أمام باب سكينة جارتهم: (أفتحي يا سكينة الرحيمة )، فتحت له سكينة وهي تشير له بالصمت ودخل صامتاً مواجهاً الراكوبة الفسيحة والمرشوشة دائماً ورطبت رائحة بخور التيمان وجهه، وظهر الزير خلف الباب يلمع فسكينة لا تسمح بالوسخ، الشيء الوحيد الذي تحبه ويدخل متسخاً هو ( قلبو). (الله يهديك يا ولدي )، نظر تجاه الجدار ورقرقت عينه قليلاً خافت سكينة أن يدخل في حالة البكاء الشهيرة فأجلسته على العنقريب، كانت سكينة جارتهم منذ الأزل، منذ كان زوجها جندياً في الهجانة وهي الآن تخاف عليه لأن أباه خلاف العادة في المنزل ولم يذهب للعمل، كان يعمل خفيراً في النسيج وما زال بهدوء وتدين يعمل ولأنه متدين لا يسمح لـ (قلبو) السكران بالأكل معهم و( قلبو) لقب اكتسبه لأنه دائماً عندما يعجبه شيء أو أغنية يقول بطرب (طلعت من قلبو)، كان راشد أخ (قلبو) الصغير متدينا ومحبوبا من الجميع من الجامع للبيت ومن البيت للجامعة، وكان (قلبو) فخوراً به ويحبه ودائماً يعلق بحب (ده ملاك.. ده شيخ)، ويبكي بحرقة ويحكي ذلك اليوم بالتفاصيل حين هبط من بوكس دبل كبين بالزي الرسمي وودع أباه بصرامة وأمه تبكي في المطبخ خوفا من الزجر وعندما تغلب عليها البكاء ضمها الملاك بحنو: (أنا ماشي الجهاد)، وبعد شهر جاءوا بصراخ وهتاف لعرس الشهيد، لم يهتم أحد بالبوكس الممتلئ بالجوالات أو الطلقات الكثيرة لأن صوت (قلبو) المكلوم كان أقوى من كل شيء: (لقد مات الملاك).
(يمة)، صرخ (قلبو) تجاه بيتهم بصوت خجول مخمور يدعي الهمس وهو في قمة الصراخ. (الرسول ما تكورك، كان داير تاكل أنا بسوي ليك أكل)، (داير أشوفا بس)، (أبوك قاعد وهسع بقلب الواطا دي فوقنا)، أكل وهو يدندن كعادته (الصباح إن لاح، لا فايدة في المصباح) ونام في الراكوبة وفاحت في ذلك النهار الحار، رائحة العرقي واضطرت سكينة للنوم في الزقاق على الكراب والساعة الخامسة كان أمام خميسة وجدها تبرد اللبن لأطفالها وهي بجلباب النوم (قلبو) نديك حاجة تاكلو؟!)، (أدينا ون قو)، شرب ووضع الكباية بجانب البنبر وطرقع أصابعه وهو يبتلع مرارة الشراب ونفخ زفرة حارة من فمه، استعاد روحه الطروب قليلا.. كان اليوم هادئاً والجو قد برد وتهيأ (قلبو) لشراب وأغاني الحقيبة لولا دخول أبو البنات وهو يحمل صحيفة في يده وهو يصرخ من الباب: (شفت الحصل يا (قلبو)؟!)، (شنو، أمريكا دخلت الجك؟!)، (لا دكتور الترابي قال الجماعة الماتو ديل ما شهدا)، صمت (قلبو)، نظر للصحيفة: (الملاك ما شهيد؟!)، خرج في ذلك اليوم وهو يدعو لنفسه بالشهادة ويرجو الجنة، لم يركب عربة فارهة، ولم يتوظف، اختار الموت في الأحراش، وقرأ (قلبو) ما تبقى بعين دامعة: (طيب هو ما جا وزغردوا نسوان من وراهو وقالوا خلاص دخل الجنة وحا يشفع لسبعين من أهلو!) كان (قلبو) على يقين من هذه الشفاعة ويعتقد أنها مخرجه الوحيد أمسك (قلبو) الكباية بيد مرتجفة وشرب، ثم الثانية والثالثة والرابعة، كان عندما يصل قمة النشوة يصرخ (أنا أخوك يا الملاك).
خرج وهو يترنح ويشتم الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال وشريط عرس الشهيد الذي أقيم للملاك يمر بذهنه كاملاً.. ومنذ ذلك اليوم فقد (قلبو) طربه وأصبح سياسياً من قلبه، كان يقف أمام بيت رئيس المحلية ويصرخ حتى الطابق الثاني ويذهب للشاعر الرئيسي ويذهب لبيوت المنتمين للتنظيم ويهتف ضد الحكومة والموت والحرب ويشتم طوال اليوم حتى سقط من الإعياء فاقداً طربه إلى الأبد وآخر جملة قالها في المستشفى وهو يموت: (الصباح إن لاح، لا فايدة في المصباح).

نشرت بـ (السوداني الثقافي)، الإثنين 19فبراير2007م.
</FONT>
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى